عبد الرحمن السهيلي

161

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

التي وصفها عن أكلة الربا إن كانت عبارةً عن حالهم في الآخرة ، فآل فرعون في الآخرة قد أدخلوا أشد العذاب ، وإنما يعرضون على النار غدواً وعشياً في البرزخ ، وإن كانت هذه الحال التي رآهم عليها في البرزخ ، فأي بطون لهم ، وقد صاروا عظاماً ورفاتاً ، ومزقوا كل ممزق فالجواب أنه إنما رآهم في البرزخ ، لأنه حديث عما رأى ، وهذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت ، وفيها تصحيح لمن قال : الأرواح أجساد لطيفة قابلة للنعيم والعذاب ، فيخلق الله في تلك الأرواح من الآلام ما يجده من انتفخ بطنه حتى وطئ بالأقدام ، ولا يستطيع من قيام ، وليس في هذا الحديث دليل على أنهم أشد عذاباً من آل فرعون ، ولكن فيه دليل على أنهم يطؤهم آل فرعون وغيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الربا ما داموا في البرزخ إلى إن يقوموا يوم القيامة ، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، ثم ينادي منادي الله « أدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أشدَّ العذاب » غافر وكذلك ما رأى من النساء المعلقات بثديهن يجوز أن يكون رأى أرواحهن ، وقد خلق فيها من الآلام ما يجده من هذه حاله ، ويحتمل أيضاً أن يكون مثلت له حالهن في الآخرة ، وذكر الذين يدعون ما أحل الله من نسائهم ، ويأتون ما حرم عليهم ، وهذا نص على تحريم إتيان النساء في أعجازهن ، وقد قام الدليل على تحريمه من الكتاب والسنة والإجماع ، وقد ذكرنا المواضع التي يقوم منها التحريم على هذه المسألة من كتاب الله ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرنا ما جاء في ذلك عن ابن عباس من قوله : هو الكفر ، وقول ابن عمر : هي اللوطية الصغرى ، وأما الإجماع ، فإن المرأة ترد بداء الفرج ، ولو جاز وطؤها في المسلك الآخر ما أجمعوا على ردها بداء الفرج ، وقد مهدنا الأدلة على هذه المسألة مفردة في غير هذا الإملاء بما فيه شفاء والحمد لله . نسب الولد لغير رشدة : وقوله : فأكل حرائبهم : الحريبة : المال ، وهو من الحرب ، وهو السلب ، يريد أن الولد إذا كان لغير رشدة نسب إلى الذي ولد على فراشه ، فيأكل من ماله صغيراً ، وينظر إلى بناته من غير أمه وإلى أخواته ، ولسن بعمات له ، وإلى أمه وليست بجدة له ، وهذا فساد كبير ، وإنما قدم ذكر الأكل من حريبته وماله قبل الاطلاع على عوراته ، وإن كان الاطلاع على العورات أشنع ، لأن نفقته عليه أول من حال صغره ، ثم قد يبلغ حد الاطلاع على عوراته ، أو لا يبلغ ، وأيضاً فإن الأم أرضعته بلبانها ، ولم تدفعه إلى مرضعة كان الزوج أباً له من الرضاعة ، وكان حكمه حكم الابن من الرضاعة ، وفي ذلك نقصان من الشناعة ، فإن بلغ الصبي ، وتابت الأم ، وأعلمته أنه لغيره رشدة ليستعف عن ميراثهم ، ويكف عن الاطلاع على عوراتهم ، أو علم ذلك بقرينة حال وجب عليه ذلك وإن كان شر الثلاثة كما جاء في الحديث في ابن الزنا ، وقد تؤول حديث شر الثلاثة على وجوه ، هذا أقربها إلى الصواب ، لقوله عليه السلام : أكل حرائبهم ، واطلع على عوراتهم ، ومن فعل هذا عن عمد وقصد فهو شر الناس ، وإن لم يعلم فأكله واطلاعه شر عمل ، وأبواه حين زنيا فارقا ذلك العمل الخبيث لحينهما والابن في عمل خبيث من منشئه إلى وفاته ، فعمله شر عمل . حكم الحاكم لا يحل حراما : وفي هذا الحديث من الفقه أيضاً أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ، وذلك أن الولد في حكم الشريعة للفراش إلا أن ينفى باللعان ، فإذا حكم الحاكم بهذا ، وعلم الولد عند بلوغه خلاف ما حكم به الحاكم لم يحل له بهذا الحكم ما حرم الله عليه من أكل الحرائب والاطلاع على العورات ، وفي هذا رد لمذهب أبي حنيفة من قوله : إن حكم الحاكم قد يحل ما يعلم أنه حرام مثل أن يشهد شاهدان على رجل أنه طلق ، وهما